سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
26
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
فقلت : لا ينبغي للأستاذ الحكيم أن يضن على أهل عصره بما ينفعهم ولا يضره ! - قال : « وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة 1254 ه ، وعمرت أكثر من نصف عصر واضطررت لترك بلادي « الأفغان » مضطربة تتلاعب بها الأهواء والأغراض وأكرهت على مبارحة الهند وأجبرت على الابتعاد عن مصر ، أو إن شئت قل نفيت منها ومن الأستانة ومن أكثر عواصم الأرض - كل هذه الأحوال - « خاطرات » [ 1 ] - لا تسرني وليس فيها أدنى فائدة للقوم . أما القول بأنها لاتسرني ، لا بمعنى أني نفيت من البلاد أو سجنت ، كلا لأني أعتقد أن السجن بطلب الحق من الظالمين العتاة « رياضة » والنفي في ذلك السبيل « سياحة » والقتل « شهادة » وهي أسمى المراتب . فأنا عن نفسي غير راض ، ذلك لأن الخمول قد قعد بي ، فلم يوصلني إلى أسمى
--> [ 1 ] - كنت سمَّيت هذا الكتاب بعد أن أخذت بتحريره : ( جمال الدين الأفغاني في البلاط السلطاني ) ! - فلما سمع مني هذا وأنه عنوان للكتاب نفر قائلًا : إن هذا العنوان ليس لهذا المقال بطبيق ! قل « خاطرات » ولا تزد . فأجبت : إني أفعل ، ولكن نبهني إلى كلمة « خاطرات » أحد الأصدقاء - وهو من المنهمكين في قواميس اللغة - إذ قال : لا يصح أن تجعل عنوان ذلك الأثر المفيد مما تنتقده أهل اللغة لأن « خاطرات » لم ترد بالمعنى الذي تريده من جمع وكتابة آراء وأفكار جمال الدين ، والأقرب للصواب أن تقول « خواطر » ولا أن تقول « خاطرات » لأنها تفيد الوساوس . فلما كاشفت جمال الدين بذلك ، تبسَّم وقال : « رحم الله الفيروزآبادي حيث قال : « خذوا لغتكم من أعجمي » ! - ورحم الله الفرزدق ، وجرير ، والحطيئة ، حيث قالوا : للمتهوسين بالمتعامل المشهور ، القائم مقام ضوابط وقواعد اللغة وآلاتها من صرف ونحو اليوم - ( علينا أن نقول وعليكم أن تتقولوا ) . قال : ويعجبني أحدهم إذ مضى بإنشاد قصيدته على مسمع من معارضه ، ومهاجيه فأورد ذكر « الجمل » مكن « الناقة » فقال معارضه : « استنوق الجمل » ولا تبالي بمن فسد لسانهم ولا يصلحون إلا إلى الأجوف والمهموز ! ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع » انتهى . فعملنا بقوله - رحمه الله - وعنونا الكتاب كما ترى « بخاطرات » . وقد عرف جمال الدين بكثرة أخذه بالقياسي ونفوره من التقيد بالسماعي . وسيأتي في غير هذا الموضوع قوله يوما : « سياسة بقروتية في مملكة فرعونية » ! ولما قيل له في ذلك قال : كيف صح قولهم ملكوت وجبروت ؟ هكذا يصح عندي « بقروت » ! والسلام .